السيد محمد تقي المدرسي
288
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( النساء / 99 - 100 ) ج - وقال تعالى : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ( العنكبوت / 56 ) د - وقال عز وجل : وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( الحج / 58 ) ونستفيد من الآيات ؛ ان الهجرة واجبة على من استُضعف ( وسُلبت حريته ) ، فلم يقدر على إقامة احكام دينه ؛ سواءً فيما يتصل بإقامة شعائره الشخصية ( كالصلاة والصيام ) ، أو الاجتماعية ( كالزكاة والخمس ) ، أو السياسية ( كالعدل والاحسان ) ، أو الجهادية ( كالدفاع عن بيضة الاسلام ) . وبالتالي يتحقق موضوع الهجرة بوجود استضعاف ، وظلم للنفس ، حيث يقول ربنا سبحانه : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَاوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً ( النساء / 97 ) . وظلم النفس يتحقق بترك أي واجب من واجبات الشريعة . كما يتحقق الاستضعاف بسلب القدرة ، وسلب حرية الإرادة . وهكذا يعم موضوع الهجرة ، حالات الهجرة من البلاد التي يحكمها الكفار أو الظلمة من المتظاهرين بالدين ، ويشمل حتى البلد الذي يحكمه أهل مذهب من مذاهب المسلمين ، ويصادرون حق أصحاب سائر المذاهب . فعلى اتباع تلك المذاهب الهجرة إلى حيث يمكنهم تطبيق الدين الصحيح حسب اعتقادهم . وقد يقال : ان الاستضعاف بذاته قبيح ، لأنه ظلم . والذي يقدر على درء الظلم عن نفسه فلا يفعل ، فقد ظلم نفسه . ولان الراضي بالظلم والساكت عليه شريكان للظالم ، فان من كان مستضعفاً حتى في شؤون حياته ، وجب عليه الهجرة طلباً للحرية ، وبحثاً عن الكرامة . . وحسب هذا الأفق الرحيب يكون معنى قوله سبحانه : ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ . انهم قبلوا الاستضعاف مع قدرتهم على الهجرة .